ابن قيم الجوزية
217
الروح
وربوبيته وملكه التام وكماله المقدس مشارك ، فشواهد الخلق والحدوث على الأرواح كشواهده على الأبدان . قال تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ « 1 » وهذا الخطاب بالفقر إليه للأرواح والأبدان ليس هو للأبدان فقط ، وهذا الغنى التام للّه وحده لا يشركه فيه غيره ، وقد أرشد اللّه سبحانه عباده إلى أوضح دليل على ذلك بقوله فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » أي فلولا إن كنتم غير مملوكين ومقهورين ومربوبين ومجازين بأعمالكم تردون الأرواح إلى الأبدان إذا وصلت إلى هذا الموضع ، أو لا تعلمون بذلك أنها مدينة مربوبة محاسبة مجزية بعلمها . وكل ما تقدم ذكره في هذا الجواب من أحكام الروح وشأنها ومستقرها بعد الموت فهو دليل على أنها مخلوقة مربوبة مدبرة ليست بقديمة . وهذا الأمر أوضح من أن تساق الأدلة عليه ، ولولا ضلال من المتصوفة وأهل البدع ومن قصر فهمه في كتاب اللّه وسنّة رسوله فأتى من سوء الفهم لا من النص تكلموا في أنفسهم وأرواحهم بما دل على أنهم من أجهل الناس بها ، وكيف يمكن من له أدنى مسكة من عقل أن ينكر أمرا تشهد به عليه نفسه وصفاته وأفعاله وجوارحه وأعضاؤه ، بل تشهد به السماوات والأرض والخليقة ، فللّه سبحانه في كل ما سواه آية ، بل آيات تدل على أنه مخلوق مربوب ، وأنه خالقه وربه وبارؤه ومليكه ، ولو جحد ذلك فمعه شاهد عليه . فصل [ القرآن يدل على خلقه تعالى للأرواح ] وأما ما احتجت به هذه الطائفة فأما ، ما أتوا به من اتباع متشابه القرآن والعدول عن محكمه فهذا شأن كل ضلال ومبدع . فمحكم القرآن من أوله إلى آخره يدل على أن اللّه تعالى خالق الأرواح ومبدعها .
--> ( 1 ) سورة فاطر ، الآية 15 . ( 2 ) سورة الواقعة ، الآية 83 - 85 .